عظماء صنعوا التاريخ في الأندلس

في تاريخ الأندلس الذي امتد لأكثر من ثمانمائة سنة الكثير من الأبطال والعظماء الذين سطروا صحائف من نور بدمائهم وأرواحهم من أجل دينهم وأمتهم.

في تاريخ الأندلس الذي امتد لأكثر من ثمانمائة سنة الكثير من العظماء الذين سطروا صحائف من نور بدمائهم وأرواحهم وجهدهم من أجل دينهم وأمتهم، ولقد حفظ لهم التاريخ ذلك الجهد والعمل، ومن هؤلاء موسى بن نصير، وطارق بن زياد، وعبد الرحمن الغافقي، وصقر قريش عبد الرحمن الداخل، وعبد الرحمن الناصر، والحاجب المنصور محمد بن أبي عامر الذي لم يهزم له جيش، وكذلك يوسف بن تاشفين القائد الرباني، صاحب موقعة الزلاقة الشهيرة، وأيضًا أبي يوسف يعقوب المنصور، صاحب موقعة الأرك الخالدة التي وانتصر فيها المسلمون انتصارا ساحقًا.

موسى بن نصير

هو موسى بن نصير بن عبد الرحمن بن يزيد، ولد بالحجاز في سنة 19هـ=640م، ونشأ في دمشق وتربى على حب الجهاد حتى أصبح شابًا يافعًا يتقلد الرتب والمناصب، فكان من أعظم رجال المسلمين في الحرب والإدارة، وقد ظهرت براعته الحربية في جميع الحملات التي قادها وأهمها فتح بلاد الأندلس مع نائبه طارق بن زياد، وبعد عودته من الأندلس ذهب إلى الحج ومات في المدينة سنة 97ه= 716م، بعد أن ملأ جهاده بلاد الشمال الإفريقي والأندلس وجباله وسهوله وهضابه، يقوده في ذلك إصرار العقيدة السمحة، وهمة الإيمان الفتي.

طارق بن زياد

طارق بن زياد الليثي، أصله من البربر، أسلم على يد موسى بن نصير وكان من أشد رجاله، فأرسله موسى على رأس الحملة التي غزت الأندلس، فعبر البحر وتوغل في أرض الأندلس وافتتح العديد من المدن، ولحق به قائده موسى بن نصير واشتركا القائدان في تحقيق المزيد من الانتصارات حتى أمرهما الخليفة الوليد بن عبد الملك بالعودة إلى دمشق… وبعد عودة طارق بن زياد إلى دمشق انقطعت كل أخباره، غير أنه كان سرًا من أسرار قوة الإسلام، حيث جعل منه الإسلام قائدًا فاتحًا، وسياسيًا محنكًا.

عبد الرحمن الغافقي

هو عبد الرحمن بن عبد الله بن بشر بن الصارم الغافقي، ينتسب إلى قبيلة غافق باليمن، وكان من كبار القادة الغزاة الشجعان وتولى العديد من المناصب، وفي سنة 112ه= 730م ولاه هشام بن عبد الملك إمارة الأندلس، فظهرت مواهبه في الغزوات الحربية، وبراعته في شئون الحكم والإدارة، بل كان من أعظم ولاة الأندلس، فتح الكثير من المدن في فرنسا حتى اصطدم مع جيش الفرنسي بقيادة شارل مارتل في حرب دامية وفي أثناء المعركة أصابه سهم ألقاه من على فرسه شهيدًا سنة 114هـ= 732م، وباستشهاده انهزم المسلمون هزيمة قاسية في تلك المعركة التي تعرف في التاريخ الإسلامي بموقعة بلاط الشهداء.

عبد الرحمن الداخل

هو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، الملقب بصقر قريش، ويعرف بعبد الرحمن الداخل، مؤسس الدولة الأموية في الأندلس، ولد في دمشق سنة 113هـ=731م، ونشأ يتيمًا في بيت الخلافة الأموي، ولـمَّا انقلب العباسيون على الأمويين، اتجه عبد الرحمن بن معاوية من الشام إلى الأندلس، واستطاع بعد مقاتلة مع والي الأندلس أن يدخل قرطبة عاصمة الأندلس ويستقر بها.

كان عبد الرحمن الداخل يتمتع بفكر عسكري في غاية الدقة، فحياته كلها تقريبًا حروب ومناوشات، حيث قامت عليه خلال فترة حكمه أكثر من خمس وعشرين ثورة، قضى عليها جميعًا، واستطاع أن يوطد ملكه في الأندلس، فهو شخصية تشخص الأبصار وتبهر العقول، فمع رجاحة عقله وسعة علمه كان لا ينفرد برأيه بل كان يلتزم بتطبيق الشورى، ومع شدته وحزمه وجهاده وقوته كان شاعرًا محسنا رقيقا مرهف المشاعر، ومع هيبته عند أعدائه وأوليائه إلا أنه كان يتبسط مع الرعية، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم، ويصلي بهم ومعهم، وكانت حياته حركة مستمرة في تنظيم الجيوش، وعقد الرايات، وتوجيه القوات، وتحصين الثغور، والقضاء على الفتن والثورات، وتوفي بقرطبة ودفن بها، فكانت فترة حكمه من سنة 138هـ= 755م وحتى سنة 172هـ= 788م، فمات وترك الأندلس وهي في أقوى فتراتها في التاريخ بصفة عامة.

عبد الرحمن الناصر

هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله، من أحفاد عبد الرحمن الداخل، أول من تلقب بالخلافة من رجال الدولة الأموية في الأندلس، ولد في قرطبة سنة 277هـ=891م ونشأ يتيمًا فقد قُتل أبوه وعمره عشرين يومًا فرباه جده، وكان عبد الرحمن منذ صغره شديد النجابة والنبوغ، تولى الحكم سنة 300ه= 912م وقام بأمر الإمارة، فإذا به يغير من التاريخ، ويُحيل الضعف إلى قوة والفرقة إلى وحدة، حيث اتجه إلى القضاء على الثورات، وبعد ستة عشر عامًا من الكفاح المضني وحَّد الأندلس كلها تحت راية واحدة؛ ولم يتجاوز عمره آنذاك ثمانية وثلاثين عامًا، ثم أطلق على نفسه لقب أمير المؤمنين.

وقد قامت في عهد عبد الرحمن الناصر نهضة حضارية كبرى، فلم يكن اهتمامه بالجيش والأمن فقط، بل اهتم بالنواحي العلمية والاقتصادية والعمرانية حتى صارت دولته أقوى دول العالم، وصار هو بلا منازع القائد الأعظم في زمانه وذاع صيته في الدنيا كلها، وجاءت السفارات من كل أوربا تطلب ودَّه، وبعد خمسين عامًا من حكمه للبلاد توفي سنة 350ه= 961م، عن اثنين وسبعين عامًا، وقد وجدوا في خزانته ورقة مكتوب فيها أيام السرور التي صفتْ له دون كدر، فعدُّوها فوجدوها أربعة عشر يومًا.

محمد بن أبي عامر

هو محمد بن عبد الله بن عامر بن أبي عامر، كان جده من الذين دخلوا الأندلس مع طارق بن زياد، نشأ محمد بن أبي عامر نشأة حسنة، وتعلم الحديث والأدب، وكان ذا طموح كبير وهمة عالية وذكاء، فسار إلى قرطبة ليكمل تعليمه، فرشحه أحد الوزراء لرعاية وتربية هشام بن الحكم ابن الخليفة الحكم المستنصر، ولم يلبث أن تدرج في المناصب حتى وصل إلى أعلى المراتب ببراعته وكفاءته، بل وبمساعده السيدة صبح جارية الحكم المستنصر وأم ولده وولي عهده هشام، ولما مات الحكم المستنصر كان ولي العهد هشام بن الحكم صغيرًا فتولى محمد بن أبي عامر أمر الوصاية عليه، وبحكم وصايته على الخليفة الصغير أصبح محمد بن أبي عامر الحاكم الفعلي للبلاد حتى عرف ذلك العهد بعهد الدولة العامرية.

ظل محمد بن أبي عامر الذي تلقب بالحاجب المنصور يحكم الأندلس ابتداء من سنة 366ه= 976م وحتى وفاته في سنة 392هـ= 1002م، وكان عهده يتميز بالقوة والكفاءة والأمن والأمان والعدل مع الرعية والجهاد الدائم الذي لا ينقطع، حيث كان يخرج للجهاد مرتين في العام، فقد خاض أكثر من خمسين معركة طوال مدة حكمه التي استمرت ستة وعشرين سنة فلم ينهزم له فيها جيش ولم تنكسر له راية، وتوفي وهو في أوج قوته، والأندلس قد بلغت من القوة والعظمة ما لم تصل إليه من قبل في أي عصر من العصور، بل صارت في عهده في ذروة مجدها.

يوسف بن تاشفين

يوسف بن تاشفين، أمير دولة المرابطين التي ظهرت في منتصف القرن الخامس الهجري كحركة جهادية لنشر الإسلام في أقصى المغرب، وتولى زعامتها أبو بكر بن عمر اللمتوني الذي عن السلطة لابن عمه يوسف بن تاشفين، والذي بدوره عمل من أول يوم له في قيادة المرابطين على تحويل الحركة المرابطية من حركة جهادية إلى دولة كاملة الأركان، ومن ثم استطاع أن يوحد بلاد المغرب تحت راية واحدة.

 في الوقت الذي كان يعمل فيه يوسف بن تاشفين على توحيد بلاد المغرب كانت دولة الإسلام في الأندلس انقسمت لعدة دويلات صغيرة عرفت في التاريخ بفترة أمراء الطوائف، مما أدى إلى إحداث الفتن والاضطرابات بين هؤلاء الأمراء، الأمر جعل الإسبان يستغلون هذه الخلافات وصاروا يحتلون الأندلس مدينة تلو أخرى، فاستغاث أحد ملوك الطوائف وهو المعتمد بن عبَّاد أمير مدينة أشبيلية بيوسف بن تاشفين، الذي لم يتردد وتحرك بنفسه على رأس جيشه من المغرب إلى الأندلس ليلتقي مع جيش الإسبان ويهزمهم هزيمة قاسية في معركة الزلَّاقة الشهيرة في سنة 479 ه= 1086م ثم عاد إلى المغرب.

بعد ذلك تكرَّرت هجمات الإسبان مرة أخرى على الأندلس، بل وازداد النزاع بين أمراء الطوائف، فاجتمع فقهاء الأندلس على دعوة يوسف بن تاشفين مرة أخرى، فتوجه ابن تاشفين إلى الأندلس هذه المرة وقضى على الفتن والنزعات وضمها إلى دولته وتحت رايته، وظل يوسف بن تاشفين يحكم الأندلس حتى توفي في سنة 500ه= 1106م، بعد حياة حافلة بالجهاد، وقد توفى تمام المائة منها سبع وأربعون سنة في الحكم.

يعقوب المنصور الموحدي

هو أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي تولى حكم دولة الموحدين بعد وفاة أبيه سنة 580ه= 1184م، وكان أقوى شخصية في تاريخ دولة الموحدين، ومن أعظم الشخصيات في تاريخ المسلمين بصفة عامة، وقد عُدَّ عصره في دولة الموحدين بالعصر الذهبي، فقد وجه عنايته إلى الإصلاح ورفع راية الجهاد، ونظر في أمور الدين والوعظ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فاستقامت له الأحوال في البلاد وعظمت الفتوحات.

كانت أشد الممالك ضراوة على المنصور مملكتي البرتغال وقشتالة وسرعان ما انطلق بجيشه بعدما توالت عليه كتب أهل الأندلس هو في المغرب يقاتل المتمردين تخبره أن جمعًا من الفرنج خرجوا إلى بلاد الإسلام وعاثوا فيها عيثًا شديدًا، عندئذ عدل المنصور عن أمر المتمردين وعبر إلى الأندلس والتقى مع قوات الصليبيين في موقعة الأرك الشهيرة سنة 591ه= 1195م لينتصر عليهم انتصارًا ساحقًا ارتفع به كثيرًا نجم دولة الموحدين، وارتفعت معه معنويات المسلمين في كل بلاد العالم الإسلامي، وقد لقي المنصور ربه بعد هذه المعركة بأربع سنوات حيث توفي في سنة 595هـ= 1199م عن عمر لم يتعدى الأربعين سنة، تم له فيه حكم دولة الموحدين خمس عشرة سنة[1].


[1] دكتور راغب السرجاني: قصة الأندلس

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى