لا تقارن نفسك بموسم حصاد الآخرين:

مشعل اباالودع الحربي

في الحقيقة إن أكبر جريمة يمكن للمرء أن يرتكبها في حق نفسه ، هي أن يقارن بينها و بين ما أنجزه الآخرون ، وبين ما حققوه من أشياء يرى فيها هو نجاحات مستحيلة بالنسبة إليه ، وبين ما استطاعوا الحصول عليه من بيت و زوج و عمل.

حياة الآخرين تبعث إلينا أحيانا كموت تحت قشرة حياة ، و بعيدا عن الحيثيات التي لازمت التغيير الذي طرأ في حياة الآخر ، ندخل في دوامة من التساؤلات ، و يصيبنا أحيانا وباء الطمع و الحسد ، و نرغب على الأقل في الحصول على ما حصلوا عليه وفي سلك نفس الطريق، و نتجاهل رغباتنا الحقة و أهدافنا التي تنتمي إلينا و ننتمي إليها ، ولا نتساءل هل ذلك ما نريد نحن ؟ و هل إذا حدث و بلغنا نفس الهدف ، هل سنحقق ذواتنا أم أن كل ما سنصل إليه هو ارتداء جلد الآخرين و كفى ؟
إن أمر المقارنات و ما ينتج عنه من مشاكل و خيمة على النفس، لا يقتصر على مقارنة الأشياء المادية و الملموسة، بل يتعدى ذلك ليرغب الناس في تبني نفس الأفكار، و التحدث بنفس اللغات و اللهجات ، و من هنا قد يحدث الانفصام و تندثر هوية الشخص الفردية ، و يتخلى بذلك عن اختلافه و تميزه ، وعن كونه هو الآخر ذات منفردة من نوعها و لها أفكار ملهمة و استقلاليتها الخاصة.
يرى طب النفس الحديث أن دخول المرء في شبكة المقارنات يأتي غالبا من تلك التي كانت تفرض عليه في طفولته ، سواء مقارنات مع أطفال العائلة أو أبناء الجيران، و أو بين الإخوة من نفس الأسرة و تحت سقف واحد… و يعتبرهذا الأمر من مخلفات الموروث الخاطئ و ثقافة التقليد و التنافس، التي جعلت منا في نهاية المطاف أناس سطحيين كل همهم هو الإنجاز أفضل من الآخر و كفى ، مع العلم أن المسمى بالأفضل هو تعريف توارثته الأجيال و لا صحة له من الأساس.
إنه لضرب من الجنون أن تقارن نفسك بالآخرين و أنت لم تمر بنفس الظروف و لم تتلق نفس التربية ، و لم تطور نفس ميكانيزمات التفكير و التحليل لتأخذا نفس القرار و تنجزا الأمور على نفس المنوال و تبلغا النتيجة ذاتها، إذ كيف لعدائين انطلقا بسرعة متفاوتة أن يصلا محطة النهاية في نفس التوقيت ؟ هذا مستحيل.
في الختام ، علينا أن نتعلم و نعلم أبناءنا أن لكل نجاحه الخاص ، و لكل ذكاءه الخاص ، و لكل منهجيته و طريقته الخاصة في التعامل مع الأمور… لقد خلقنا الله منفردين من نفس المصدر لكن لا وجود لنفوس متطابقة، كل واحدة لها خصائصها و مميزاتها ، و لها من الإمكانيات أن يصبح المستحيل ملك بنانها.
لهذا تذكر أن لا تقارن نفسك بموسم حصاد الآخرين … فلربما تلك نهايتهم و بدايتك أنت لم تأت بعد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى