(57) كما كانت قصة صبي أفيرون الوحشي معبرة عن معنى أننا كائنات اجتماعية فقصة لوسي أغرب لأنها تضرب في عمق الزمان لمعرفة بدايات تشكل آدم ورحلته على وجه الأرض قبل ملايين السنين: طالعوا مقالتي عن علم الانثروبولوجيا : الانثروبولوجيا : التاريخ غير المكتوب للانسان

خالص جلبي

في شهر مايو _ أيار من عام 1978 م صدرت مقالة علمية في مجلة العلم ( SCIENCE ) الأمريكية _ وهي أهم مطبوعة علمية في الولايات المتحدة _ أحدثت هزة في التفكير الانساني في فهم تاريخ الانسان على الأرض ، فقد قدم عالم الانثروبولوجيا الأمريكي ( دونالد جوهانسون ) _ بعد عمل شاق استغرق خمسة أعوام _ الدليل من الحفريات التي جمعها من مثلث ( عفار ) شرق الحبشة في منطقة ( هدار ) ومن الموقع ( 333 ) عن أقدم كائن بشري يمشي منتصباً ويعود إلى فترة تصل إلى ثلاثة ملايين و750 ألف سنة مع إمكان الخطأ بمائة ألف سنة (1)
قصــة لوسـي ( LUCI ) :
عندما نقرأ كتب التاريخ فإننا نقرأ في الواقع ما ( كُتب ) فالكتابة هي التي حفظت الأحداث التاريخية في جوفها ( كما عُثر على مكتبة آشور بانيبال التي تحوي 25 ألف لوح بالخط المسماري )(2) والكتابة كيان حديث العهد ، فالانسان نطق قبل الكتابة وبنى الحضارة قبل الكتابة ، وعندما دخل مرحلة الثورة الزراعية لم يكن هناك لوح واحد مكتوب والسؤال الذي كان يقض مضجع المؤرخين والمفكرين عموماً هو : كم أصبح للانسان على وجه الأرض ؟ منذ متى بدأ يدب عليها ؟ منذ متى بدأت الحياة على وجه الأرض ؟ كم عمر الأرض؟ منذ متى يعمل النظام الشمسي ؟ بل ماسر هذا الوجود كله ؟ وهل له بداية ؟ وإذا كانت له بداية فكيف ومتى بدأ وكم عمر الكون عموماً ؟؟
ماهي الطريقة المستعملة لمعرفة عمر طبقات الأرض والحفريات ؟
عندما نفتح كتب التاريخ نشعر بالنقص في معرفة البدايات ، والسر في هذا هو قصور الأدوات المعرفية التي استخدموها قديماً ، إلى درجة أن شرَّاح العهد القديم وضعوا عام ( 4004 ) قبل الميلاد هي البداية الفعلية للكون وبداية التاريخ الانساني ، إلا أن الكشف الانثروبولوجي (3) أظهر أن حياة الانسان تتوغل في القدم في مرحلة ماقبل التاريخ ( المكتوب ) إلى زمن سحيق . ويبقى السؤال : كيف يمكن معرفة عمر طبقة من البازلت أو الفحم أو عمر شجرة فضلاً عن مستحاثة لهيكل عظمي كالذي تم كشفه في هيكل لوسي ؟
لقد طور العلماء وسيلة غير مباشرة عن طريق دراسة المواد الاشعاعية في طبقة ما والتي تحوي العظام ، فكلاهما عاش نفس المرحلة الجيولوجية ، مثل مادة ( البوتاسيوم 40 ) التي تتحلل وبفترة معروفة إلى مادة الأرغون ، فإذا استطاع العلماء حساب الكمية المتولدة من التحلل الاشعاعي ، ونسبة التحلل وسرعته ، أمكن تحديد عمر الطبقة الأرضية التي وجد فيها البوتاسيوم ، وهكذا وعن طريق نظام التحلل الإشعاعي أمكن معرفة عمر طبقات الأرض ، وبالتالي عمر العظام المحفوظة فيها ( الحفريات _ FOSSILE ) .
في 3 نوفمبر ( تشرين ثاني ) من عام 1974 م عثر الانثروبولوجي الأمريكي دونالد جوهانسون مع مساعده ( توم غراي ) على ضفة نهر ( أواش ) في منطقة ( هدار ) على بعد 240 كم شمال شرق العاصمة الاثيوبية أديس أبابا ، وفي جو يغلي بحرارة 43 مئوية على بقايا لهيكل إنساني لانثى كانت تمشي منتصبة ، وخلال ثلاثة أسابيع من العمل المتواصل أمكن جمع حوالي 40% من هيكل كائن واحد ، وبفحص عمر العظام في مركز ( كليفلاند ) للابحاث الجيولوجية ؛ أدركوا أنهم أمام أقدم كائن بشري عرف حتى ذلك الوقت .
وإذ عمتهم الفرحة لهذا الاكتشاف التاريخي بقوا طول الليل يكررون أغنية البيتلز ( لوسي في السماء ومعها ألماس ) لهذه الانثى التي غيبتها طبقات الأرض قبل حوالي أربعة ملايين من السنين ؛ فأعطوها اسم ( لوسي ) وأصبحت علماً على هذا الاكتشاف المثير .
الانتصاب حرر اليدين فبنى الانسان الحضارة :
ولكن هل فكرنا قليلاً بميزة امتشاق الجسد والانتصاب على قدمين عند الانسان ؟ تلك التي أشار إليها القرآن ( والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين )(4)
إن الوقوف أعطى الحرية لليدين ، وبتحرر اليدين بدأ الانسان في صنع الأدوات والدخول في بناء الحضارة ، فالحضارة هي مزيج الفكر واليد كما انتبه إلى ذلك ابن خلدون ، حين أشار في مقدمته الشهيرة إلى عاملي ( الغذاء والدفاع عن النفس ) كضرورات بيولوجية لوجود الانسان في المجتمع ، فلا يوجد انسان بدون مجتمع (( ولما كان العدوان طبيعياً في الحيوان جعل لكل واحد منها عضو يختص بمدافعته وجعل للانسان عوضاً عن ذلك كله الفكر واليد ، فاليد مهيئة في الصنائع بخدمة الفكر )(5) بل إننا نجد في البيولوجيا الشيء العجيب ؛ فخارطة ( قشر المخ ) فيها منطقة كبيرة للفم ومناطق الكلام أكثر من حركة الفخذ مثلا ، كما أن مناطق التحريك العصبي للابهام أكبر من حقل بقية الأصابع بسبب أهميته ، ونحن نتميز بقشرة المخ بالدرجة الأولى ؛ أكثر من بقية مناطق الدماغ التي نشترك فيها مع الحيوانات ، والغوريلا أثقل منا بثلاث مرات ولكن دماغنا أثقل من دماغه بثلاث مرات ، فدماغه يصل حوالي 500 غرام ووزنه يصل إلى مايزيد عن مائتي كغ ، في حين يزن دماغنا حوالي ( 1.5 ) كغ ثلاثة أرطال أو بالمتوسط 1500 جرام وجسمنا في المتوسط 70 كغ ، وهكذا فبتفاعل قشر المخ مع اليدين أمكن للانسان شق الطريق للحياة الانسانية المتطورة في حين كُبِّلت بقية الكائنات باستخدام يدها فيزيولوجيا .
بين الكوسمولوجيا والبيولوجيا والانثروبولوجيا(6) :
وإذا كان عمر الكتابة خمسة آلاف سنة وبدايات تاريخ الانسان غير المكتوبة بدأت منذ حوالي ( 3.5 ) ثلاثة ونصف مليون سنة فكم ياترى عمر الحياة وكيف بدأت ؟ يعكف علماء الحياة اليوم على تقصي التاريخ الطبيعي .
إذا كان للانسان تاريخ ( انساني ) فإن للطبيعة تاريخها الخاص ، والمعلومات الأولى التي شق العلم الطريق إليها أن بدايات الحياة تمتد إلى حوالي 3.8 مليار سنة ، ولعلها بدأت بالخلايا الوحيدة التي لاتحتاج الاكسجين ، ثم قفزت الحياة إلى مرحلة الخلايا الوحيدة التي تستخدم الاكسجين ، قبل أن تظهر عديدات الخلايا التي تنتهي عندنا ، حيث يمثل الانسان قمة الخليقة ، ويمثل الدماغ البشري قمة القمة لتجلي الخلق العجيب ، وأما عمر أمنا الأرض فيصل إلى حوالي 4.6 مليار سنة ، وإذا قارنا بين بدء الحياة قبل 3.8 مليار سنة وعمر الانسان وهو يدب على الأرض بـ 3.5 مليون سنة ، وإذا عرفنا أن المليار هو ألف مليون ، كان معنى هذا أن كتاب تاريخ الخلق يتشكل من مجلد ضخم يبلغ ألف صفحة ، تنفرد فيه الصفحة الأخيرة برواية الخلق الانساني ، كما أن الملايين الثلاثة والنصف من السنوات هي تلك الفترة غير المذكورة من الحياة الانسانية غير المكتوبة ، لإنه لاذكر بدون كتابة ، والكتابة لم تتشكل إلا منذ فترة قصيرة هي خمسة آلاف سنة فقط ، أو على حد تعبير القرآن ( لم يكن شيئا مذكورا )(7) ويبقى عمر النظام الشمسي في حدود ثمانية مليارات من السنين ، وأما عمر الكون كله فالأرقام حسب نظرية الانفجار العظيم تصل إلى 12 مليار سنة حسب أحدث نقولات التلسكوب هبل الكوني .
الانسان قبل عشرة آلاف سنة :
بقي الانسان في معظم تاريخه ( شيئاً غير مذكور ) ، فحتى قبل عشرة آلاف سنة كان يطارد الوحوش والوحوش تفترسه ، وكانت أعداد البشر قليلة ، وباكتشاف ( النار ) حصل انعطاف حاسم في تاريخ الانسان لإنه خرج من المنطقة الدافئة في أفريقيا لينتشر في الأرض ، فامتد جنسه إلى كل المعمورة ، وبقي في هذه الفترة يعيش على الصيد وجمع الثمار ، وكان يمكن أن يبقى هكذا حتى يومنا الحالي ، ولكن الذي أحدث أعظم انعطاف في تاريخ الجنس البشري هو المرأة ؛ ففي الوقت الذي كان الرجل يطارد الفرائس ، كانت المرأة تجلس لرعاية الصغار فاكتشفت آلية عمل النبات ، فهذه الآلية الخفية والبطيئة والمتدفقة في كل لحظة تحتاج إلى الهدوء والنعومة والتأمل والاستقرار والحب وكلها من صفات الانثى ، وبذلك شقت الطريق إلى أمر في غاية الخطورة وهي الثورة الزراعية ، فلماذا كانت الثورة الزراعية بهذه الخطورة وماذا تولَّد منها ؟
انعطاف التاريخ الانساني في الثورة الزراعية :
عندما انتبهت المرأة إلى أهمية الزراعة قفز الانسان من مرحلة أن يعيش ليومه ، مهددٌ بالمجاعة في كل لحظة ، إلى مرحلة ( التحكم ) بالغذاء ، فالزراعة أحدثت فائضاً بالغذاء ، وهذا قاد بدوره إلى خلق مجتمع المدينة وتجمع البشر وزيادة السكان ، وتقسيم العمل وتشكل الاختصاصات ، وولادة الدولة والنظام السياسي ، ومع ولادة مجتمع المدينة تشكلت المجتمعات البدائية الأولى التي كانت نقاط التخمر الأولى لولادة الحضارات ، فالثورة الزراعية دُشنت قبل حوالي تسعة آلاف سنة ، في حين لم تبدأ مسيرة الحضارات إلا قبل ستة آلاف سنة ، على النحو الذي كشفت عنه الحفريات التي تمت في مدى المائة سنة المنصرمة ، ولقد أحصى المؤرخ البريطاني ( توينبي ) مايزيد عن ثلاثين حضارة انبثقت من أصل حوالي ستمائة مجتمع بدائي . أما لماذا انبثقت الحضارة من مجتمعات بعينها ، في الحين الذي عقمت مجتمعات أخرى عن انجاب حضارة فهذا لايزال تحت تفسيرات متنوعة . ولكن الشيء الأكيد أن ولادة الحضارة الانسانية تمت ومعها أمراض ( كروموزومية ) تماماً مثل أخطاء التشكل الولادية ، ومنها بناء المجتمع على النمط الذكوري .
العنف والنمط الذكوري :
مع ولادة الحضارة ولدت ظاهرة الحرب ، والحرب شيء مريع حقاً وهي ظاهرة انسانية ، فالحيوانات لاتشن الحروب المنظمة في العادة ، وإن الانسان ليدهش عندما يرى قتل الانسان لأخيه الانسان ، والحرب أفرزت بدورها مرضاً لايقل شقاءً وهو ( الرق ) ؛ فالحرب والرق كانا منذ بزوخ الحضارات مرضان لعينان ، استطاع الجنس البشري التخلص من الأول وهو في طريقه للتخلص من الثاني . وإذا كان مرض الرق ولد كـ ( اختلاط ومضاعفة ) من مرض الحرب ، فإن السؤال يطرح نفسه ولماذا ولد مرض الحرب بالأصل ؟؟ وهل يجب أن يقتل الانسان أخاه الانسان ؟؟ فالحرب تقوم على الافناء المتبادل وسفك الدماء ، وكانت هذه التهمة هي التي وجهت للانسان من قِبَل الملائكة ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ؟؟ )(8) حتى لم تتهم الملائكةُ الانسانَ بالكفر بقدر اشمئزازها من القتل الذي سيمارسه !! فأين يكمن جذر العدوانية والعنف في الجنس البشري ؟؟ لقد درس علم الانثروبولوجيا عبثاً هذه الظاهرة من خلال دراسة الفروق البيولوجية بين الذكر والانثى ، واستطاع أن يضع بعض الفروق الجوهرية ؛ فالبنات يملكن قدرة كلامية أفضل ولذا فالتليفون هو جهاز انثوي ، والمرأة عندها قدرة أفضل في إثارة مواضع البحث والنقاش ويميل الرجال للصمت أكثر ، ويتفوق الأولاد الذكور في القدرات الفراغية والرياضية والحسابية ، ولكن الشيء الذي يرجحه علماء الانثروبولوجيا هو عدوانية الذكور أكثر ويقروننه بهورمون الاندروجين الذي يفرزه جسم الذكور ( كذا !! ) . وأمام السيطرة الذكورية في المجتمع يطرح صاحب كتاب ( بنو الانسان )(9) بيتر فارب هذا السؤال : (( ماهو السر في كون الأدوار الوظيفية العليا والمراكز المرموقة في المجتمع من نصيب الذكور دوماً ))؟؟
من المهم أن نعرف أن هذا الوضع هو عالمي قبل كل شيء ، فالحضارة دُشنت منذ أن بدأت رحلتها الأولى بموجب ( قالب ذكوري ) حيث تحولت المرأة إلى الشريحة المستضعفة ، ومن الغريب أن المرأة هي التي تحمل الذكر في بطنها وهي التي تدفع به إلى الحياة ، وهي التي تغذيه وتربيه ، وبإمكانها أن تقلب هذا النظام من خلال التربية وفي مدى جيل إلى جيلين إلى صالحها ولكنها وللغرابة لم تفعل ذلك فلماذا ؟؟
يقوم الانثروبولوجي ( بيتر فارب ) بتحليل لطيف خلاصته أن المرأة هي التي أوجدت هذا النظام لتحمي نفسها ومجتمعها من الابادة من المجتمعات العدوانية الأخرى ، ولكن _ وهي آلية ذاتية _ طالما وجد هذا النظام فإنه يكرر انتاج نفسه دوماً .
يقول فارب (( ولعل أكثر التفسيرات انسجاماً مع المنطق والتحليل هو الذي يرجع أصول سيادة الذكر إلى العراك الجسدي والمصارعة ، فالأناث باعتبارهن المتحكمات في تربية الصغار بوسعهن تحويل الجيل القادم .. ولكن هذا يعني أن ذلك المجتمع سيجد نفسه عرضة للابادة من مجتمعات مجاورة تعتمد على الذكور في القتال ويبدو أن هذه الحقيقة كانت واضحة في أذهان الاناث منذ أن خلق الله الانسان .. ومن المؤكد أن الاناث قد وصلن إلى هذا الوضع دون أن يعين ذلك .. وبمجرد أن أعطي الذكور المركز المرموق كمحاربين أصبح ذلك النظام بالضرورة يكرر نفسه تلقائياً وصار لزاما على المجتمع أن يشجع العدوان في الاطفال الذكور كما كان عليه أن يكافيء المحاربين الناجحين ، ولعل أبسط طرق المكافأة هي أضفاء هيبة كبيرة عليهم واعطائهم ميزات متعددة منها ميزات جنسية وحتى يكون ذلك ممكنا لابد أن تربى الاناث على الخضوع والسلبية )) (10) .
إذن فالنتيجة التي وصلنا إليها أن عنصر ( الثقافة ) هو الذي يشكل العدوانية ، فلا زيادة هورمون الاندروجين يكرس العنف ، ولا انتشار هورمون الاستروجين الانثوي ينشر نعومة ( تاتشر ) !! وهذا ما وصلت إليه باحثة انثروبولوجية هي ( مارجريت ميد )(11) عندما درست ثلاث مجتمعات متقاربة في غينيا الجديدة ، في مدى مائة ميل من الأرض ، ومن الغرابة أن المجتمع الأول مسالم بذكوره وأناثه ، والثاني من أكلة لحوم البشر هو النقيض للنقيض من المجتمع الأول ، في حين أن المجتمع الثالث من صيادي الرؤوس يقوم ذكوره طول النهار بممارسة الغزل والزينة والتعطر واختيار الملابس والعزف على المزمار على عكس الاناث اللواتي يحملن معظم أعباء المجتمع . فالثقافة ونظام الفكر السائد هو الذي غير مجتمع عن آخر يسكن نفس الأرض ، فالمرأة هي التي تحمل المسؤولية التاريخية الآن في تغيير نظام الفكر عند الطفل ، حتى نتحرر من ثقافة الحرب والبطولة وتكديس السلاح . ومن خلال تدشين ثقافة العنف واختلال المجتمع في اتجاه ( قوة العضلات ) فإن المجتمع تلون بكامله بهذا اللون الذكوري ، والمؤسسة العسكرية في العالم هي النموذج المثالي للروح الذكورية (( التي تعتبر نموذجا لجميع المؤسسات الأخرى وتقوم على الطاعة غير المشروطة وتنتزع من الانسان بعده الانساني الخاص : أي ذلك البعد المتسم بالاستقلال الواعي والمبادرة والمسؤولية والذي بدونه لايكون التجمع الانساني الخاص … إن هذا الاختراع الذكوري المحض يقوض بمقتضى المبدأ نفسه الذي يقوم عليه كل امكانية حقيقية للدفاع ، أي الدفاع عن استقلال الشخص ضد أي اقتحام خارجي وأي اضطهاد داخلي … ومركزية العنف العسكرية هي نموذج لجميع أشكال المركزية الأخرى الأبوية والبيروقراطية والادارية والبوليسية وحتى التربوية والثقافية )) (12) فلا غرابة من النتائج المأساوية لسيطرة الروح العدوانية اندلاع الحروب الذي لايتوقف والذي قد ينهي الجنس البشري في حماقة كبرى . يبدو إذا من خلال هذا الطرح أن العالم قد رُكِّب على تشوه جنيني حضاري مريع ، ساهمت المرأة من غير وعي منها في تكريسه ، لإن مفتاح تغييره مازال بيدها ، فهي مازالت لحسن الحظ تحمله في رحمها ، فهي خزان الرحمة واللطف ، والمشرفة على تربيته وتكوينه النفسي والاخلاقي ، ومازال انجاب المرأة للانثى مصدر عيب وضعف في كل العالم ، لذا فإن العالم مازال ينتظر تعديل هذا الميزان الكوني مرة أخرى لتخرج المرأة من أشياء الرجل وملكيته ، لتصبح النفس الانسانية التي بشر بها القرآن ( خلقكم من نفس واحدة ) ، ودخول المرأة هذا الميدان باستقلال ، ليس في تقليد الرجل ، ولاكوسيلة بيده ، أو كأفراز من خلال مؤسساته ، ، بل النصف الثاني الشريك الكامل ، والنوعي المستقل ، عند ذاك ستسود ثقافة الرحمة وستزول ثقافة البطولة ،ستقف طبول الحرب عن القرع ، وسيكف الانسان عن سفك الدماء فيحقق عن جدارة ( علم الله فيه )

هوامش ومراجع :
(1) يتم الوصول إل تحديد مثل هذا العمر بشكل غير مباشر و بواسطة دراسة المواد المشعة مثل ( البوتاسيوم 40 ) الذي يتحول إلى مادة ( الأرغون ) أو تحلل مادة اليورانويوم . تراجع القصة الشيقة بكاملها في عدد المختار ( ريدرز دايجست ) ديسمبر كانون الأول 1981م _ صفر 1402 هـ ص 114 _ 144 بقلم دونالد جوهانسون وميتلاند ايدي (2) حضارات مفقودة _ محمد العزب موسى _ الدار المصرية اللبنانية ص 66 (3) الانثروبولوجيا هو علم دراسة الانسان وبيئته ومصيره (4) سورة النور الآية 45 ( 5 ) المقدمة ص 42 (6) الكوسمولوجيا علم بنية الكون وتطوره والقوانين التي تحكمه والبيولوجيا على الحياء والانثروبولوجيا علم الانسان (7) سورة الانسان الآية رقم 1 (8) البقرة الآية رقم 20 (9) بيتر فارب _ زهير الكرمي _ عالم المعرفة 67 _ ص 220 (10) نفس المصدر السابق ص 224 (11) نفس المصدر السابق ص 198 (12) روجيه غاروديه _ في سبيل ارتقاء المرأة _ ترجمة جلال المطرجي _ دار ألاداب _ ص 31 .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى