مقالات الرأي

ماهر يكتب: ثورات الشعوب: بين الجذوة والجدوى
“الربيع العربي” نموذجا

ماهر الملاخ*

مدخل:
عشر سنوات مرت على ما سماه لنا الاخرون “الربيع العربي”، حيث تجد اليوم معظم الشعوب العربية، سواء تلك التي انخرطت او لم تنخرط في تلك الهبة، تعود لنقطة الصفر، في حين تدحرجت أوضاع بعضها الى دركات لا يبدو انها ستتعافى منها مع نهاية هذه الخمسينية.
وعليه، وبعد خبوّ جذوة تلك الهبة، وذهاب سكرة تلك الفكرة، يبدو من المنطقي الآن، ان نعيد النظر في جدوى تلك الموجة، ومعها جدوى اعتماد نهج الثورة في حد ذاته، وسيلة للتغيير.
وكمدخل لمناقشة جدوى الثورات، من الممكن أن يبدأ من سؤال:
لماذا تثور الشعوب؟
وحينما تثور ماذا تفعل لتحقق ما تريد؟

  • أولا: لماذا تقور الشعوب؟
    تثور الشعوب حينما تبلغ كتلة حرجة داخل الشعب درجة كبيرة من التناقض بين مصالحها ومصالح النظام الذي يحكمها. ويظهر في المشهد العام، انعدام أي منفذ لتقليص مساحة ذلك التناقض. فتلجأ الى محاولة إرغامه على الانزياح عن موقع الاستئثار بالقرار، عن طريق المناجزة الثورية.
  • ثانيا: كيف تثور الشعوب؟
    تثور الشعوب عن طريق المناجزة الثورية للنظام، وذلك بجعل عنف الجماهير العزل وجها لوجه أمام العنف المسلح للنظام. وبذلك يراهن الشعب على دمه مقابل الحديد والنار.
    معادلة الدم مقابل النار ،في حد ذاتها، لا يمكن أن تحقق هزيمة النظام القائم، دون حدوث أمرين:
  • تحول الجماهير من العنف الاعزل الى العنف المسلح. وهو لا يكفي بدون الشرط الثاني.
  • حدوث انشقاق عمودي وافقي من داخل البنية العسكرية للنظام.
    هذا الشرط الثاني تحكمه مجموعة معقدة من الشروط، منها ما هو داخلي وما هو خارجي، وبالتالي فحدوثه غير مضمون.
    ففي لحظة التحول هذه يكمن الشيطان:
    إذ هي منزلة بين منزلتي الثورة والدولة. حيث تتساوى فيه قوة الطرفين، وهي لحظة تتميز بصفتين:
  • الهشاشة الكبرى لحالة الثورة وحالة الدولة.
  • الغموض الكبير بخصوص طبيعة الطرف الثالث الذي سيتدخل كي يميل الكفة بأدنى جهد لصالح الدولة او الثورة.
    هذه اللحظة أسميها لحظة المِحاق، (وهي تعني في اللغة لحظة نهاية الشهر القمري وبداية الشهر الجديد، وهي لا تتجاوز بضع دقائق، ولكن تكون هي سبب الخلاف في احتساب الشهر.)
    وفي غياب أو تأخر الشرط الثاني تكون الجماهير قد دخلت في مرحلة الاستنزاف الماحق. والذي قد يدوم لسنوات دون ان يفضي الى شيء.
    ومما يؤكد ذلك، أن ابن خلدون قد أشار الى قاعدة في تدافع الدول، فأثبت قاعدة اجتماعية، صاغها في الفصل الخمسين من كتابه “العبر” في “ان الدولة المستجدة إنما تستولي على الدولة المستقرة بالمطاولة لا بالمناجزة.” فما بالك بالشعوب الثائرة.
  • ثالثا: قياس فعالية الثورات:
    باعتبار كل ما سبق، يبدو بأن الثورات هي شكل من أشكال المناجزة التي تتميز ب:
  • ارتفاع تكلفة التغيير في صفوف الجماهير والدولة كليهما.
  • هشاشة التحكم في مسار الثورات وتأمين تدبيرها
  • سهولة اختراق اهدافها في لحظات المحاق.
    وبالتالي فإن اعتمادها كشكل من أشكال التغيير هو أمر غير فعال.حيث تعتبر محاولة غير واعية لفرض التغيير في لحظة غياب شروطه الموضوعية.
  • رابعا: فصل المقال فيما بين الثورة والاحتجاج من انفصال:
    وأخيرا لا بد من التمييز بين الثورة كشكل من أشكال المناجزة للتعبير عن سحب الشرعية عن النظام، قصد ازاحته وتبديله.
    وبين الاحتجاج كشكل من أشكال التعبير السياسي ضد تدبير ذلك النظام قصد دفعه لتعديل سلوكه.
    فإذا صح هذا التحليل، تكون الثورات مشروعا مغامرا غير مضمون النتائج، في حين يكون الاحتجاج شكل فعال في الرهان على التغيير عبر الجولات المتتالية.

*إعلامي وباحث أكاديمي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى