ثقافةمقالات الرأي

لقاء بارق مع ناصر البرَّاق

محمد غازي*

كان يوما مضنيا حقا، لم يكن عاديا، فقد أودعت والدتي المستشفى بعد أن أعياها المرض وأسقطها طريحة تتألم، بالكاد وضعت خدِّي على مخدتي حتى استسلمت لنوم عميق، لم يوقظني غير صوت “الله أكبر، حي على الصلاة،،”، لم يكن عسيرا علي مغادرة الوسادة المؤنسة، هذه المرة، ومفارقة فراشي الدافئ، لا أعلم، ولكني صليت صلاتي الفجرية اليوم في هدوء وسكينة، عدت بعدها إلى فراشي بعد تسبيحات وتهليلات قليلات.

ما إن وضعت رأسي موضعه المعتاد، حتى غادرت مستجيبا لدعوة أتتني على عجل، لم يكن بوسعي الاستماع هذه المرة لصديقي، طويلا رغم بداية الدرس، درس يتناول قصة فتح مكة، ومفاوضات التسليم، وهروب بعض الصناديد، من فجار قريش، من الذين آذوه، وعذبوه وشنُّوا عليه حربا ظالمة، كانت الدعوة العاجلة آتية من الملحقية الثقافية السعودية بالرباط، كان المشهد رهيبا، لم يكن بوسعي الاستجابة لها بهذه السرعة وأنا أحيا في عالم الوعي، غير أني وجدت ظلي المتهالك متسمرا أمام مكتب الملحق نفسه، كأن البُراق أخذني إليه، كانت المفاجأة السارة في هذا الاختطاف السريع، هو وجود شخص فارع الطول، وضاء المُحيا، مرتب الهندام، أنيق السمة، ربطة عنقه مألوفة لدي، كما هندامه الداكن، خرج من المكتب مسرعا، أخذني من يدي وجرني إليه حاضنا، كما لم يفعل من قبل، غير أنه عاتبني كعادته دائما، لم تأخرت علي يا غازي، مازجا جدَّه بهزل خفيف، ملتزما بقواعد الديبلوماسية المرحة، ذكرني بأيامه الخوالي، حين كان ملحقا ثقافيا في المغرب، سريع الغضب، ميالا إلى الصفح، قوي الملاحظة، لا يحب التأخر، متابعا دقيقا، ومفاوضا عنيدا، شديد الحرص على قضاء الأعمال قبل وقتها، لقب نفسه براقا، لا أعلم من أين استورد معناها، أو استمد مبناها ، هل من البراق الطائر، أم من البريق اللامع، أم من البراق الذي يبرق الأخبار، أم من البرق نفسه، كان إداريا فوضويا، ومثقفا متقلبا، صحافيا صانعا، وأديبا حصيفا، محبا للشعر، بل كان صاحب مشاعر.

سألته على مضض، ماذا تفعل هنا؟، هل عدت إلى وظيفتك السابقة؟، هل عينت ملحقا ثقافيا من جديد؟، ولكنه لم يجبني أيضا كعادته، فقد عهدنا منه التهرب من أسئلتنا المتراكمة، يترك محاوره تائها بين عدة توقعات، لا يجيب في الأغلب إلا ببعض كلمات، كأنها الألغاز من أحجية، كان شديد التكتم، قليل الكلام، يقلب الكلمة قبل أن تغادر فِيهِ ألف مرة، فإذا خرجت كانت غابرة المعنى، حمَّالة أوجه، تعلمنا منه سياسة الكلام، وعلم الكياسة، لكنه كان مناورا فطنا، وداهية لا يغلب، لا زلت أذكر يوما، حين نظم أحدهم استقبالا له، إثر عودته من عطلته السنوية، كيف أعاد له صحن الشوكولاتة؟!، مع علمه بمكره، وإيقانه أنه عدوه اللدود، مرفقا إياه بابتسامة ماكرة، كان موقنا أن الشوكولاتة كفيلة بقلب الكفة وثني خصمه عن مكره، فإما أن يتعلم الدرس، أو يذوب خبثه وسواد جرمه مع حلاوتها.

جالت بي الأحداث وعادت بي الذاكرة، إلى أيامٍ خوالي، لا زلت أذكر يوم استدعاني، – أيضا كعادته – في ليلة ماطرة بعد منتصف الليل من ليالي فبراير الباردة، ليس من أجل مستجد طارئ، وإنما لأجل رغبة جامحة، طارئة بعد أن جافاه النوم واستدعاه حبه قيادة سيارته الرباعية الدفع متسكعا بين دروب وشوارع عاصمة الأنوار الهادئة، كان هذا دأبه، فهو محب لتناول وجبة خفيفة، مع اتخاذ بغض القرارات السريعة أيضا، يزكي هذا الخيار شهادة أحد أصدقائه المقربين، الذي يصفه بالقائد الفوضوي، حيث يستطيع صناعة حدث كبير ومُشِع، خلال حديث قصير وخافت، سمات القيادة والريادة بادية دائما عليه، لا يحب الخوض في التفاصيل، مهتم جدا بالنتائج شديد التدقيق في السبل الموصلة إلى النجاح، طويل النفس كقامته، رقيق المشاعر كبنيته، هادئ الطبع حاد النظر،، أكيد أن العودة كانت هذه الليلة قبيل الفجر، ولكنها لم تثنيه في الصبيحة عن الحضور قُبيل الدوام الرسمي إلى مكتبه، دون تلكؤ أو كسل، مرد ذلك ربما إلى حيوية الشباب، والرغبة في التفوق الأشد.

في مثل هذه الجولات الليلية، كانت تترسخ العلاقة وينصهر الوجدان، كانت فرصة لي لأتعلم، فنون القيادة والإدارة وسط الأمواج العاتية، والخطوب المدلهمة، فليس من السهل، أن تكون على رأس مكتب ثقافي بخلفية ديبلوماسية، تتخذ القرارات بحذر شديد، فأي استدعاء أو لقاء أو تصريح أو نشاط، وربما مزحة عابرة مع شخص مغمور قد تعصف بصاحبها، وقد تخلف ضجة لم تكن في الحسبان، كانت ذاكرة الرجل تنشط ليلا في وضع الخطط ورسم الدروب، بينما يتولى تنزيلها في الصباح التالي.

يوما من أيام العمل المشترك، داخل أروقة المكتب الذي يترأسه، سألني عن أمر من الأمور التي كلفت بإنجازها حديثا، فإذا به يقاطعني، كأنه يريد توجيه رسالة معينة، لماذا برأيك يلقبونني بالبراق، ودون أن ينتظر جوابي، – وأنا أكتفي بالنظر إليه في ذهول، خصوصا أنه كان حديث القدوم إلى المغرب، –  “أنا لا أرضى الفشل ولا أحب الانتظار”، كانت بداية قوية، وقوة إرادة واضحة.

لا أعرف صدقا كيف غادرني البرَّاق بسرعة البرق، وفر من حلمي الجميل، على ظهر براق بارق، منطلقا في الفضاء الجميل، بعد زيارة بارقة.

كانت عودتي هذه المرة إلى صديقي الكملي سريعة، فلم أمكث مع ناصر البراق، غير لحظات عابرة، رغم أنها كانت بطول السنة وبعبق اللحظات الجميلة التي اصطحبني إلى جانبه فيها، متجولين بين شوارع العاصمة، ودروبها، كأننا كنا نحطم أصنام البعد بين البلدين الشقيقين، ونكسر رؤوسها، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند فتحه مكة، وعصفه برؤوس الشرك التي حاربته وآذت دعوته، وهي اللحظة التي وجدت الشيخ سعيد الكملي يشرحها كأنه كان يتابع لقائي مع الملحق الثقافي الدكتور ناصر البراق الذي جاء فاتحا، مرابطا، أو ربما أنا من كان يتابعه مستلهما الدرس، مسقطا إياه على تجربة ماتعة رفقة الأديب الحصيف، الذي عاد إلى الرياض دون أن يكمل رسالته، التي لا تزال محتجزة بين أعمدة الصالون الثقافي الذي أسسه ودشنه كتجربة جديدة بالنسبة لبرنامج العمل الثقافي للملحقية الثقافية السعودية في الرباط، فكرة فاتنة لمَّت شمائل نخب رائدة، فلم يكمل دورته، ولم تسعفه مغادرة البراق في أداء رسالته، وإكمال المخطط الذي بلغ في عهده ذروته.

*محمد غازي، صحفي مستشار إعلامي مغربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى