ثقافةمقالات الرأي

دراسة: بين مشروع الوحدة ووحدة المشروع.. قراءة في بعض مسارات وحدة حركة التوحيد والإصلاح

ماهر الملاخ*

ماهر الملاخ*

بعد انطلاق أول مشروع وحدوي الذي تشكل في مشروع جمعية رابطة المستقبل الإسلامي، منذ ثلاثين سنة، ثم بعد تحقيق المشروع الوحدوي الثاني، الذي تشكل في حركة التوحيد والإصلاح، لا تزال هناك مجموعة من المعطيات غير واضحة حتى في أذهان من عايشوا تلك المرحلة. بين حضور وغياب معطيات، وبين قصور وسداد تحليلات. وهو ما لا تزال آثاره تنعكس سلبا على تشخيص اللحظة التي نعيشها، تشخيصا علميا رصينا، ناهيك عن اجتراح مقترحات لخوض المرحلة القادمة، بتحدياتها وخطورتها.

لذلك كان لزاما، أن ننعش الذاكرة بالنقاش الفكري التاريخي، لعله يسعف في تحقيق المراد، من خلال استحضار أربع مراحل:

اولا: 1978-1985: ظروف التكوين ومركزية الوحدة:

تشكلت جماعة “التبين” كموقف مؤقت، من أجل التحقيق في أسباب الخلاف الحاد بين الأستاذ عبد الكريم والإخوة الستة (السعداوي، منار، نايت الفقيه، بن الأدهم، دكير والشيخ عبد الكبير) بين سنتي 75 و78. ولذلك ظل الهدف الاستراتيجي للجماعة هو الوحدة التنظيمية، لإيمانها بأن المشروع الإسلامي في البلاد أمامه تحديات لا تستطيع تنظيمات متشرذمة أن تحققه. وقد ترجمت ذلك النهج، بالتحرك المستمر مع كل الكيانات الاسلامية وطنيا، حتى تم تحقيق جزء كبير منه في الأخير.

وبذلك يكون تنظيم التبين قد نشأ معجونا بهم الوحدة الذي ظل يرافقه في كل مسارته.

ثانيا: 1985-1987: ثبات مشروع الوحدة ورفض المنطق الأمني:

على إثر اكتشاف تنظيم التبين، وتسليم قيادته لأنفسهم سنة ، 85حماية للتنظيم، سعى الأستاذ عبد الإله بأسلوب التدخل لدى السلطات قصد الإفراج على المعتقلين، ثم فتح الحوار معهم لاستيعابهم في صفوف الجماعة الإسلامية. باعتبار الجماعة حينذاك هي “دار أبا سفيان” الأمنية. فاتصل بالعميد الممتاز محمد الخلطي، وهو رئيس فرقة محاربة التطرف السياسي والديني بالعاصمة الرباط،يؤكد له فيها أن هؤلاء لا علاقة لهم بإيران، ولا يشكلون أي خطر على النظام.

ولكن الجدير بالتأكيد، أن إطلاق سراح قيادة التبين، جاء بسبب مباشر من اكتشاف السلطات الأمنية للبيان رقم واحد لجماعة التبين، والذي كان عبارة عن أطروحة فكرية وسياسية من عشرين صفحة (لا تزال نسخته الوحيدة في ارشيف الاستخبارات العامة المغربية). ذلك البيان الذي، بعد دراسة السلطات له، وجدوا أنفسهم أنهم فعلا أمام تنظيم معتدل ومنفتح، ينبذ العنف ويدعو للحوار مع جميع الاطراف، بما فيهم القصر واليسار، ويؤمن بالمشاركة الايجابية في الحياة السياسية. وهذا أمر في غاية الاهمية لمن يؤمن بنظرية “الفضل الفردي” في رشد الحركة الإسلامية المغربية..

وبعد إطلاق سراح قيادة التبين من الاعتقال، استمر ضغط الاستاذ عبد الاله من أجل تحقيق الوحدة مع التبين. ولكن كان لمعظم أعضاء مكتب شورى التبين رأي يصب في اتجاه اعادة ترتيب البيت الداخلي، وإجراء نقد ذاتي، قبل المضي في اتجاه أي مشروع. ولم يمنع ذلك الاتجاه مجلس شورى التنظيم ان اعتمد مبدأ الوحدة مع الجماعة الإسلامية. لكن تدبيره العملي ترك لمرحلة أخرى، خاصة وأن هناك خطوات سابقة في اتجاه الوحدة كانت قد تحققت مع كل من فاس والقصر الكبير. غير أن حماسة الاستاذ عبد الاله للوحدة معهم قد تضاعفت، حتى استطاع أن يستقطب الأستاذان محمد القشيري وعبد اللطيف السدراتي لرأيه، فأصبحا يدافعان بقوة عن المشروع، مستندين على قرار مجلس الشورى، وبلغ بهم الامر على أن يرفضا مناقشة أي موضوع آخر باستثناء ذلك.

وحين وصل الوضع بالأخويين الى ذلك الحد، وشعرا بعزلتهما داخل المكتب التنفيذي الذي كان يضم حوالي 12 عضوا، فقد قاما بعمل غير مسبوق في أعراف التنظيمات، وخاصة تنظيم التبين الذي كان معروفا بصرامته التنظيمية، فبدؤوا بالاتصال بالقواعد مباشرة. للترويج لفكرة واحدة مفادها: “أن باب إخواننا في الجماعة الاسلامية مفتوحة، وقيادتكم لا ترغب في الوحدة، وتخالف قرار مجلس الشورى.”. شكل ذلك الاتجاه صدمة كبيرة لقيادة وقواعد التنظيم، وكان سلوكا انشقاقيا مباشرا.

وبذلك يكون من الالتباس الكبير أن نقول إن تنظيم التبين قد اقتنع بأن يفتح حوارا، لأجل الوصول إلى وحدة حقيقية مع الجماعة الإسلامية، وأن بعض قيادة هذا التنظيم قد عرقلوا هذه اللقاءات.

وهو التباس من جهة ثلاث اعتبارات:

*لأن الحوار الوحدوي كان دائما مفتوحا من قبل الاعتقال، لكن ليس مع الجماعة الإسلامية بعد “التوجه الجديد”، ولكن مع غيرها، وذلك بسبب أساسي، وهو تباعد الطرفين فيما يخص المسافة التي ينبغي تكون مع القصر الملكي. وهو الخلاف الذي استمر إلى يومنا هذا، متخذا أشكال مختلفة.

*لأن ما سمي ” الحوار الداخلي” كان لا يستند إلى قرار تنظيمي، بل كان مرفوضا، لا من حيث المبدأ ولا من حيث الشكل، توقيتا وترتيبا.

* لأن قيادة تنظيم التبين، الذين رفضوا هذا الشكل من السلوك، وصل عددهم إلى عشرة من أعضاء المكتب التنفيذي للتنظيم، بما فيهم رئيسه عبد الرزاق المروري رحمه الله. في حين لم يتبن ذلك الموقف المعاكس غير عضوان اثنان، هما الاستاذان محمد القشيري وعبد اللطيف السدراتي. اللذان تم فصلهما من المكتب والتنظيم، مباشرة بعد نهج ذلك الاتجاه. بحكم تجاوزهما قرارات التنظيم، واستغلالهما المعلومات والعلاقات التنظيمية السابقة، للنزول إلى القواعد وتحريضهم على الالتحاق بتنظيم أخر.

في ظل تلك الحالة من الارتباك التي تعرض له تنظيم التبين من الداخل، دخل الإستاذ عبد الاله على الخط مرة اخرى، ليعمق تلك الحالة من الخارج. فقاد ما سمي “حوارا داخليا”، وهو ما كان في حقيقته، بناء على كل ما سبق، غير “اختراق خارجي”، كونه لا ينبني على أي قرار تنظيمي للجهة المراد “الحوار معها”، ونظرا لانعدام تكافؤ أطراف الحوار، حيث نزلت قيادات الجماعة الاسلامية حينها بثقلها، لتتحاور مع اعضاء عاديين يفتقد معظمهم الاليات الفكرية والسياسية التي بإمكانهم أن يكافؤوا بها الحوار.

وبذلك، يكون تنظيم التبين قد استمر في الإيمان بمشروع الوحدة، لكنه كان يرفض الابتزاز الأمني في مقابل تحقيقها. لأنه لو استجاب لحقق الوحدة شكليا، ولكان قد تخلى جوهريا عن مشروعه في التغيير.

ثالثا: التحاق 87 ووحدة 96 / فصل المقال فيما بين “الوحدة” و”الالتحاق” من انفصال:

إن الفرق بين حدثي 1987 و 1996، جد شاسع، وذلك من عدة نواح، ومنها على سبيل المثال ما يلي:

*فمن الناحية الشرعية التنظيمية، جاءت وحدة 1996 بقرار شوري تنظيمي كامل. عكس عملية 1987 الذي جاء عاريا من أي شرعية تنظيمية.

*ومن الناحية السياسية فقد جاءت وحدة 1996 في ظروف انفتاح سياسي من جهة القصر الملكي، ولم تكن في ظل ظروف إرباك وإرهاب أمني، كما كان الشأن بخصوص 1987.

*ومن الناحية التنظيمية والفكرية، فقد جاءت وحدة 1996 بعد تحقيق مشروع رابطة المستقبل الاسلامي ( مع جمعية القصر الكبير، مجموعة الدكتور بلاجي /البيضاء وغيرها، ومجموعة مكناس، ومجموعة الدكتور فريد الانصاري/ الرشيدية، ومجموعة وجدة، ومجموعة خريبكة، والعديد من الافراد النوعيين من جمعية فاس، إضافة الى قيادات سابقة في الشبيبة)، وهو ما كان منسجما تمام مع منطق الخطوات التي تمت قبل اعتقال 1985. حيث أصبح التنظيم مهيكلا بشكل كامل، وأوراقه الفكرية ناضجة.  عكس حالة عملية 1987 التي تمت بدون كيان تنظيمي أو أوراق فكرية.

رابعا: 1992-2003/ مشروع الوحدة مسار عسير وليس حفلا خيريا:

ما هو ثابت في مجريات حوارات الوحدة بين الرابطة والجماعة، أن الاستاذ عبد الإله كان يشكل عائقا حقيقيا في سبيل تحقيقها، وذلك بناء على عدة مؤشرات، من بينها:

•           طلب قادة الرابطة حينذاك، ان يتوقف عبد الاله عن الحضور للحوار. الأمر الذي وعدت به الجماعة الإسلامية في البداية، لكن سرعان ما تراجعت عنه.

•           المؤشر الثاني على ذلك التشويش، كون انتخاب الاستاذ محمد يتيم سنة 1994، كان بدافع مقبولية الرجل لدى في الساحة الإسلامية، وكان المراد به قصد تقليل ذلك التشويش الذي يحدثه وجود الاستاذ عبد الاله في واجهة الحوار الوحدوي. وكان هذا بتصريح من الأستاذ محمد يتيم حينها، حيث اتصل بالشيخ أحمد الريسوني بعيد انتخابه رئيسا للجماعة قائلا له:” إن انتخابي هذا انتخاب من أجل الوحدة.”.  وكذلك كان ذلك الاختيار. فقد تمت الوحدة مقابل تراجع الاستاذ عبد الاله.

لقد مرت الوحدة عبر مخاض عسير، توقفت فيه لقاءات الحوار كثيرا، حتى كادت تفشل، وتشنجت فيها الأعصاب، وانسحب من انسحب، وتقاطع من تقاطع، وفُقدت فيها كفاءات ومجموعات، إلى أن تم تحقيق المشروع.

وحينما تمت الوحدة بين الرابطة والجماعة، كانت هناك فترة انتقالية قصيرة، تم فيها دمج الهيئات، بقرار من التنظيمين. بعدها خضعت كل الاجهزة للانتخاب الداخلي الطبيعي، فأفرزت قيادات نوعية جديدة، صادف أن أغلبها كان ينتمي للرابطة. ولكل أن يحلل النتائج كما يرى، باستثناء أي قراءة توهم ان الامر كان بسبب فضل خاص من أي جهة كانت.

وظلت الأمور كذلك، إلى أن تم انقلاب 2003، في ظل الظروف التي يعرفها الجميع. فتضررت استقلالية حزب العدالة والتنمية إلى أبعد حد، وفتح الباب أمام تدخل السلطات في قراراته، وهو الامر الذي استمر خلال محطات متعددة، ثم تكرر للأسف سنة 2017. ولكن كان تدخلا هذه المرة ضد من استفاد من التدخل في المرة السابقة.

فمن المنطقي أن من يرفض تدخل 2017، عليه أن يكون قد رفض تدخل 2003 من قبل.

وخلاصة الكلام:

نعم لقد حققت حركة التوحيد والإصلاح مشروع الوحدة، بكل ذلك المسار العسير الذي سردنا جزءا منه. و لكن، بعد ثلاثين سنة، يبدو تلك الوحد لم تنجح في توحيد المشروع.

وذاك هو الاستحقاق الفكري الذي على الحركة أن تخوضه.

تلك صفحات من تاريخ هذا المشروع الوحدوي المتميز، الهدف من طرحها، المساهمة ما امكن في الرفع من الوعي التاريخي بتاريخ أحد أهم مكونات العمل الإسلامي بالبلاد، وكذا الرغبة فتح النقاش حول عمق قضايا مشروع الإصلاح، بوعي وبصيرة.

*ماهر الملاخ/كاتب وباحث إعلامي، عضو سابق في المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى