مقالات الرأي

أمحجور يكتب: المُعَارَضَةُ.. تَعَدَّدَتِ الأَوْصَافُ.. وضَعُفَ المَوْصُوفُ.. وكَثُرَ “الشُّرَّاحُ”..

من المتناقضات المُحيِّرات، ومن عجائب المراجعات أن تدور علينا صروف الدهر ونوائب السياسة فنحار في “المعارضة”، فلا نفهم ما نقول، ونحتاج لمن يشرح لنا ما قيل، فتكثر تبعا لذلك تناقضاتنا، ويلطم بعضنا بعضا فلا ندري أنعارض كما “تَعَارَضْنا” ونحن نرأس الحكومة، أم “نُعَارِضُ” بحذر عميق حكومة لم نعد فيها لكننا نتصرف وكأننا أحرص عليها مِمَّنْ هُم فِيها.

ومن المتناقضات المُحيّرات أن نُكْثِر في وصف مُعارضةٍ نحن فيها، لكن لا نَدْرِيهَا، بيد أننا أكثرنا أَسَامِيهَا، أتراها تكون معارضةً حقيقية أم عميقة أم وطنية أم معقولة أم هادئة أم مُتَّئِدَةً أم بنَّاءة أم مسؤولة أم مستقلة .. أَمْ أنها كل هذا ومَزٍيد؟ ..
حقيقة، لا أدري أي معارضة تليق بمُرَاجَعَاتِنا، لكنني متيقن أننا أكثرنا في وصفها وتحليل مبناها ومعناها، ولا يزيدها ذلك إلا غموضا واضطرابا، خاصة حين استرجاع سلوك وخطاب بعض “الشُّرَّاح” خلال المرحلة السابقة.

فكيف بالله عليكم نمضي خمس سنوات في معارضة شاملة لا تُمْهِلُ ولا تُهْمٍل، معارضة سَفَّهَتْ حكومة نرأسها منذ يومها الأول، وجَلدت وزراءنا الذين لم نترك لهم متَّسَعا من إمهال أو أعذار، ولم نتوقف عن نقض أقوالهم وأفعالهم، وقلنا فيهم قولا غليظا. حينها كنا بوعي أو بدون وعي منغمسون ومنخرطون باستماتة واستدامة في “أجندات” متنوعة و”جوقات” متعددة، ولعلنا في كثير من اللحظات كنا نحن “الجوقة” وكنا نحن الجمهور، كنا الخصم والحكم، كنا الأغلبية والمعارضة.. كنا نحن المشاركة ونحن المقاطعة .. كنا الشيء ونقيضه.. وكنا في كل ذلك نشتغل بحماسة وانتظام في أجندة بعضها كنا نعلمه وندريه، فقد كانت معلنة ومعلومة، وعنوانها المشهور والمنشور هو غلق قوس “العدالة والتنمية” ووقف خطر “الولاية الثالثة”…

ثم وبدون مقدمات، وبسرعة وبدون تردد، ها نحن اليوم نعلن عن  معارضة كاملة الأوصاف، عاقلة الهَوَى ومُتَّزِنة الجَوَى،  تراعي ويا للعجب لحكومة نحن لسنا فيها، لكن مع ذلك نبذل جهودا لمعارضتها بعمق وحكمة.
هكذا فجأة “يتجلى” لنا أن الحكومة التي لا نرأسها في حاجة إلى معارضة يسُوسُها الهدوء والتؤدة والبعد عن “الجوقة”.. لأن مصالح البلاد والعباد في خطر.. وهو بالمناسبة “خطر” لم يكن لكنه بزغ فجأة، فالسنوات التي مضت كنا ندبر فيها الحكومة في عالم مثالي خال من كل “خطر”… 

والخلاصة.. والدرس “المستفاد”، حينما نرأس الحكومة، نعارض حزبنا وحكومتنا ووزراءنا وحزبنا ومسؤولينا، وفي كل هذا لا بأس أن نكون جزءا من “جوقة”، بل لا حرج في أن نكون نحن “الجوقة”… لكن حينما نكون خارج الحكومة، فالحذر الحذر من معارضة نكون فيها جزءا من “جوقة”.. فالحرج كبير والخطر عظيم..

ختاما، شخصيا لا أجد أي حرج سياسي في أن تَعْتَدِلَ المعارضة، وأن تراعي وتتزن خاصة إذا كانت ظروف البلد تستدعي ذلك، ولعل الأمر يكون آكد من قبل حزب أمضى عشر سنوات في رئاسة حكومتين لولايتين متتاليتين، وخسر الانتخابات بتلك الطريقة، لكنني أجد حرجا كبيرا في تقبل تناقضات بدون نقد ذاتي ومراجعات.. وبدون مقدمات.. وبدون وضوح وتوضيح إلا أن يكون ذلك وحيا.. لكن في حدود ما أعلم فإن الوحي قد انقطع مع خاتم المرسلين.

صدق من قال إن التَّنَاقُضَ يُضْعِفُ الحُجَّةَ ويُفْسِدُ الحِجَاجَ، وهو بالمناسبة يُضْعِفُ المعارضة وقد يُفْسدُهَا أيضا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى